الغزالي

38

إحياء علوم الدين

بأعلى صوته : عند الصباح يحمد القوم السري وقال بعض الحكماء : إن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه ، وشرح صدورهم فأطاعوه ، وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه ، فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين ، وبيوتا للحكمة ، وتوابيت للعظمة ، وخزائن للقدرة ، فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون ، وقلوبهم تجول في الملكوت ، وتلوذ بمحجوب الغيوب ، ثم ترجع ومعها طوائف من لطائف الفوائد ، وما لا يمكن واصفا أن يصفه ، فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا ، وهم في الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا . وهذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف ، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء وقال بعض الصالحين : بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس ، إذ هبطت إلى واد هناك ، فإذا أنا بصوت قد علا ، وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوي عال . فاتبعت الصوت ، فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف ، وإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ من خَيْرٍ مُحْضَراً ) * « 1 » إلى قوله * ( ويُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه ُ ) * « 2 » قال فجلست خلفه أسمع كلامه وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه . فقلت وا أسفاه ، هذا لشقائى . ثم انتظرت إفاقته ، فأفاق بعد ساعة ، فسمعته وهو يقول : أعوذ بك من مقام الكذابين ، أعوذ بك من أعمال البطالين ، أعوذ بك من إعراض الغافلين . ثم قال : لك خشعت قلوب الخائفين ، وإليك فزعت آمال المقصّرين ، ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده فقال : مالي وللدنيا ، وما للدنيا ولى . عليك يا دنيا بأبناء جنسك ، وألاف نعيمك ، إلى محبيك فاذهبي ، وإياهم فاخدعى . ثم قال : أين القرون الماضية ، وأهل الدهور السالفة ، في التراب يبلون ، وعلى الزمان يفنون . فناديته يا عبد الله ، أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك . فقال : وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره ، يخاف سبقها بالموت إلى نفسه ! أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ! ثم قال : أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها . ثم لها عنى ساعة وقرأ * ( وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * « 3 » ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى ، وخر مغشيا عليه ، فقلت قد خرجت روحه .

--> « 1 » آل عمران : 30 « 2 » آل عمران : 30 « 3 » الزمر : 47